السيد محمد بيرم الخامس التونسي

227

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

فلذا لزم أن نذكر لك كل وزير بانفراده والوقائع التي جرت مدة ولايته ومساعيه لأن الوالي يأتمنه ويعمل على رأيه ، وهي القاعدة الجاري بها عمل الممالك المتمدنة لو تمت شروطها ، وهي جعل محتسب من الأمة لمراقبة أعمال الوزير حتى لا تضر به ولا بالأمة ، غير أنه ينسب إلى الوالي تفخيم أمر الحكومة فأطلق عليها لقب الدولة وعلى نفسه لقب الملك ، وأدمج ذلك في ألفاظ القانون المسمى بقانون الدولة ووزع منه نسخا على سائر الدول ليكونوا شهداء عليه ، وسلم بيده إلى يد الإمبراطور نابليون الثالث نسخة منه عند الاجتماع به في الجزائر ، وكتب تلقيب وزرائه باسم الوزير في مكاتيبه للدولة العلية ، وقيل له في ذلك من بعض رجال حكومته فقال الدولة لها السيادة علينا وطاعتها واجبة ولكن لا نهين أنفسنا وكذلك اخترع زيادة النياشين وقلد بها نفسه ورجال حكومته وغيرهم ، فمنها : نيشان العهد : وهو مرصع بالياقوت الأحمر والأخضر جعل للبسه قانونا وعددا ويتبعه شريط أبيض مثل الذي سبق ذكره في اختراع أحمد باشا ، ومنها : نيشان عهد الأمان : على شكل آخر وخصصه بأصحاب المباشرة في الوزارة إلى غير ذلك من الأشياء التي مدارها على الأبهة مع رأفة نفسه ورقة قلبه . وأول ما افتتح به حلفه باليمين اللازمة في قبول بيعته على مقتضى عهد الأمان وسرد عند البيعة العامة التزاما نصه : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تبارك من جعل الأمان أقوى أسباب العمران والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان . أما بعد فيقول العبد الفقير إلى ربه المشير محمد الصادق باشاباي وفقه اللّه لما يرضاه وأعانه على ما أولاه : إني قبلت البيعة من الأعيان الحاضرين على ما وقع الالتزام به في العشرين من محرم الحرام سنة ( 1274 ه ) من المرحوم المقدس أخينا المشير سيدي محمد باشاباي ، وهو عهد الأمان لسائر السكان على الأعراض والأموال والأديان وما حواه من القواعد واللوازم والأركان ، وحلفت وأحلف باللّه وعهده وميثاقه على مقتضاه وأن لا أخالفه ولا أتعداه ، وهذا الكلام صدر مني ونقله الناطق به عني وخطي وختمي فيه أقوى شاهد وأوضح إعلان لكل من حواه هذا الديوان وسائر الرعية والسكان ، وعلى مقتضاه عليكم السمع والطاعة ويد اللّه مع الجماعة . حرر يوم السبت الخامس من صفر الخير سنة ( 1276 ه ) . ثم التفت إلى الوزراء فوجد الوزير مصطفى خزنه دار هو صاحب الشفوف على الكل لإلتفات أغلب أتباع الحكومة عليه وانقيادهم إليه رغبة ورهبة لما له من اليد وكذلك قناسل الدول فسلم إليه أمر الحكومة ولقبه بالوزير الأكبر ، وبقي منفذا لرأيه ملازما للسير على نهجه في كل أمر حتى فيما يعود إلى خاصة ذاته ، فكثيرا ما كان يلبس الوالي ثيابه ويتقلد